أخر الأخبار

FacebookGoogle Bookmarks

عــــــــــــوالـــم مــــابعد كرونــــــــــــا 
المستجـــدات والتداعيــات 

د.أماني الطويل

خبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية 

 فيروس كوفيد ١٩ أو كرونا ، يصبينا بفزع مقيم لايبارحنا ونشعر معه بتهديد كبير ، فلايأمن البشر لإستمرار حيواتهم،ولايعلمون مداها ولانتائجها،أما الدول فهي مستغرقة تماما في وظائفها الأساسية، التي إندثرت جزئيا مع ظاهر العولمة، وذلك في محاولة لحماية الناس ،ولصيانة شرعيتها السياسية في آن واحد ،بينما القدرات العلمية للدول الكبري التي كانت قد قاربت علي إستنساخ البشر، تقف عاجزة عن ردع مالايري بالعين المجردة.

وقد لانكون من الناجين من هذا الفيروس فعلم ذلك عند الله،ولكننا نحاول أن نقرأ عوالم مابعد كرونا للبشر الناجين، والقادرين علي إستكمال حياة أصبحنا جميعا نري عبثيتها.
وفي ظني أن أهم الكوارث التي أفقنا عليها كدول عربية أنه رغم الثروات الهائلة التي أمتلكتها هذه المنطقة علي مدي الخمس عقود الماضية، لكنها لم توظف هذه الأموال الهائلة في تطوير حياة مواطنيها بعيدا عن المفهوم الإستهلاكي ، ولم تدرك نخبها السياسية الحاكمة مركزية التقدم العلمي ليس فقط كمطور للحياة ، ولكن أيضا - وكما أتضح - في الحفاظ علي الحياة ذاتها.
وهكذا لم يتح لنا المشاركة في معارك مواجهة الوباء، في المعامل وهو يجعلنا  تقف في طابور طويل من الإنتظار للحصول علي علاج قيد التنفيذ في بريطانيا، بينما الهند مثلا هي الدولة التي سوف تكون مصنعة للقاح قد يساهم في تقييد إنتشار الفيروس .
آثر العرب أن يكونوا مستهلكين لكل أنواع المتع،أن يتفاخروا بالأموال ، وقعدوا أن يكونوا علي مستوي التحديات التي تواجهها الإنسانية .
وقد أعطي كرونا سلطات إضافية للحكومات إعتدت بها علي حياة البشر وخصوصياتها، وعلي قدر حريتهم في سلوكياتهم الشخصية والخاصة ، كل هذا بات محكوما بقوانيين وقرارات بالتأكيد هي تحمي حياة البشر وتصون قدرات الدولة .
وفي بلاد الحريات الشخصية التي تبيح زواج المثليين، وتتوج حريات البشر بقاعدة أنت حر مالم تضر، تنازل فيها المواطنيين عن هذه الحرية طلبا لحماية حيواتهم المهددة علي نحو غير مسبوق لكل أنواع السلطات العسكرية والأمنية للجيوش الوطنية ، والأجهزة الشرطية.
لكن في المقابل فإن لهذه الحالة تداعيات وإنعكاسات خطيرة من قبيل  تغول الحكومات علي المواطنيين وحيواتهم أثناء وبعد الفيروس، حيث أصبحت هذه السلطات  في موقع الحامي والمنظم لحياة البشر، وهو موقع بالتأكيد ستقاوم الحكومات خصوصا في دول العالم الثالث التراجع عنه بسهولة.
أما علي المستوي الدولي فربما يكون التساؤل المشروع في هذه الأجواء عن مستقبل العولمة كظاهرة أعطت مقود القيادة للشركات،وأثرت في أن تتراجع إرادات الدول ، بل وقدراتها. 
فمانراه حاليا أن كافة أنواع الشبكات المترتبة علي هذه ظاهرة  العولمة تنهار دوليا نسبيا وبرزت من جديد سلطة الدولة القومية  وذلك علي مستويين الأول بالمستوي الداخلي ، والثاني  بالمستوي الخارجي ، داخليا أصبحت السلطة التنفيذية للدولة  تأمر الشركة لتحدد مساراتها طبقا لمتطلبات الأزمة علي المستوي القومي،وليس لمتطلبات الشركة طبقا لمحددات السوق العالمي . فيتم تحديد مثلا أن الإنتاج هو لأجهزة التنفس الصناعي، وليس للسيارات صحيح أن الشركات الأوربية بحكم عراقتها الحضارية النسبية عن الولايات المتحدة الأمريكية،قد إستبقت طلب الدولة بالفعل وتحولت إالي إنتاج المطلوب بل أن أحد الشركات الألمانية ، كجزء من المسئولية الإنسانية قد نشرت تصاميم هذه الأجهزة عالميا،لينتجها من يشاء،لكن في واشنطن أضطر الرئيس الأمريكي ترامب أن يهدد شركات أمريكية شهيرة لتحول خطوط إنتاجها نحو المطلوب أمريكيا. 
أما علي المستوي الخارجي ،يبدو أننا في المستقبل قد نشهد تراجعا لمؤسسات العولمة الغربية ، ولكل أنواع التشبيك التعاوني في هذا السياق التي لم تثبت فاعلية وقت هذه الجائحة،فمثلا الأمريكيون يمارسون سلوك الكابوي في الإستيلاء عن صفقة كمامات فرنسية من علي مدرجات المطارات الصينية، والفرنسيين يستولون علي نصف صفقة كمامات كانت في طريقها من السويد إالي فرنسا، والإيطاليون تركوا وحدهم ليتحولوا إالي بؤرة أساسية للكرونا دون أي عون لوجيستي من الإتحاد الأوربي،الذي لم يملك إلا إعتذار.
وفي هذا السياق سقطت مقولات غربية أساسية بشأن جدارة العولمة كسياق قادر علي إدارة المصالح، وتنميتها بشكل مفيد حتي للغرب نفسه فمابالك بباقي العالم خصوصا الثالث الذي أضيرت مصالحه بشكل مباشر بسبب هذه العولمة الغربية،فسقطت صناعات وطنية وتم الإضرار بإقتصادات واقعية لصالح قطاعات خدمية تبدو رخوة وغير قادرة علي الصمود وقت الأزمات.
ومع المشهد الكارثي للإنظمة الصحية ، وإكتشاف مدي هشاشتها ،وذلك في دول تقود العالم كالولايات المتحدة وبريطانيا، بالتأكيد سوف يتم طرح أسئلة  بشأن مستقبل  النيوليبرالية كمنهج رأسمالي، تجاهل الإنسان ومتطلباته في الإستمرار بكفاءة، حيث يتوج هذه المتطلبات الصحة التي هي موضوع إنتخابي بإمتياز مع كل إنتخابات رئاسية أمريكية، وهو أيضا أحد مفاصل الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا. أما في بريطانيا فقد تسبب تقليص الإنفاق علي المنظومة الصحية خلال العشر سنوات الأخيرة التي قادها حزب المحافظين اليميني أصبحت المستشفيات لاتستقبل المرضي إلا في حالة الإحتياج إالي أجهزة التنفس الصناعي وهي كارثة إنسانية بكل المعايير . 
ولعل عالم مابعد كورونا يجعلنا نتوقع أن تفقد النيوليبرالية أي دعم من جانب الفاعليين السياسيين فربما تتراجع ضغوط الشركات  التي أثبتت أنانيتها المطلقة ، في مقابل تتزايد الضغوط المرتبطة بتحسين نوعية مستوي حياة الناس الذين هم شرط إستمرار الحياة ذاتها.
في المحصلة يبرز النموذج الصيني الذي أثبت كفاءة ملحوظة  في خضم هذه الأزمة.وإستطاع مواجهة جائحة كرونا بفاعلية أبرزته علي المستوي الدولي ،فمن ناحية ثبتت فاعلية نظامه الصحي الذي حافظ عليه بكفاءة جديرة بالإنتباه في ضوء الكثافة السكانية الرهيبة ،وسمح له تكوينه السلطوي بالسيطرة السريعة علي تفشي المرض داخل الصين، وإن كانت هذه السلطوية قد حرمته من الإنتباه لتحذير الطبيب الشاب من الفيروس والذي ذهب ضحية له.
الدرس النهائي في تقديرنا مرتبط بإعادة الإعتبار للدولة الوطنية ووظائفها علي حساب العولمة،الذي نشهد إنهيار مؤسساتها الغربية لصالح مؤسسات شرقية بديلة تم تأسيسها من جانب الصين خلال العقدين الماضيين علي أسس مفاهيمية مغايرة، مرتبطة بإحترام سلطة الدولة الوطنية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، خصوصا وأن هذا المنهج أصبح محل جدل أمريكي داخلي  حاليا، حيث كلف  المنهج التدخلي واشنطن تكاليف إقتصادية باهظة من إرتفاع فاتورة التسلح ، والإنتشار العسكري في أنحاء العالم، وذلك علي حساب متطلباتها الداخلية في قطاعي الصحة والتعليم ،من هنا برز بوضوح عدم جدارة النظام السياسي الأمريكي بأكمله.
ومن المتوقع أن يشكل صعود الدولة القومية، صعودا مماثل للسلطوية  التي تمثلها الصين كنموذج ، حيث أثبتت جدارة  في تخطيط المنظومات الداخلية وإدارتها من هنا سيتم تراجع مفاهيم حقوق الإنسان الكلاسيكية بمفهومها الغربي من حريات عامة، وتداول سلطة بالآليات المؤسسة في النظم الغربية كالديمقراطية،  وتداول السلطة في توقيتات محددة ،وسوف تبرز مفاهيم حديثة لحقوق الإنسان تم الإنتباه لها مؤخرا كالحقوق الإقتصادية والإجتماعية للمواطنيين، وربما سيكون هؤلاء أكثر قبولا لهذه الأنواع من السلطوية التي باتت مطلوبة لمواجهة الأزمات. ولكن حتي هذه السلطوية، ستكون مهددة بودرها بأزمات ربما لم يتم  بلورتها بعد ، إذ لابد وأن تستجيب لمتطلبات البشر في الإحساس بالحرية الإنسانية، من حيث عدم تجريم التعبير عن الرأي، وضمان حرية الصحافة طبقا لمفاهيم جديدة لتكون فعالة في محاربة الفساد، والكشف عن الأخطاء، وتقييم السياسات علي نحو جاد،فإستجابة النظام للتحذيرات مهم، وإنظروا إالي الطبيب الصيني الذي تم تجاهله فأصبحت الصين رغم كل مانقول عنه من كفاءة للنظام ، ولكنه كان مصدرا لفيروس كرونا  الذي يجتاح البشرية بلا رحمة 

أضف تعليق


كود امني
تحديث